السيد كمال الحيدري

11

الفتاوى الفقهية

وحيث إنّ كلّ إنسان لا يمكنه - عملياً - أن يتحمّل بمفرده مسؤولية البحث والجهد العلمي الكامل في كلّ ناحية من نواحي الحياة ؛ لأنّ هذا - عادةً - فوق طاقة الفرد ، كما أنّ عمره لا يتيح له استيعاب جميع تلك النواحي بالدرجة المطلوبة من التعمّق ، لذا استقرّت المجتمعات البشرية على أن يتخصّص لكلِّ مجال من مجالات المعرفة والبحث عددٌ من الناس ، فيكتفي كلُّ فرد في غير مجال اختصاصه بما يعلمه على البديهة ، ويعتمد ما زاد عن ذلك على ذوي الاختصاص ، محمّلًا لهم المسؤولية في تقدير الموقف ، وكان ذلك لوناً من تقسيم العمل بين الناس ، سار عليه الإنسان - بفطرته - منذ أبعد العصور . ولم يشذّ الإسلام عن ذلك ، بل جرى على نفس الأساس الذي أخذ به الإنسان في كلِّ مناحي حياته ، فلم يكلّف الله تعالى كلَّ إنسان بالاجتهاد ومعاناة البحث والجهد العلمي من أجل التعرّف على الحكم الشرعي ؛ توفيراً للوقت وتوزيعاً للجهد الإنساني على كلّ حقول الحياة . كما لم يأذن الله سبحانه وتعالى لغير المتخصِّص المجتهد بأن يحاول التعرُّف المباشر على الحكم الشرعي من الكتاب والسنّة ؛ معتمداً على إمكاناته الشخصيّة ، بل أرشده إلى ضرورة أن يكون التعرّف على الحكم من طريق التقليد والاعتماد على العلماء المجتهدين المتخصّصين في هذا المجال . على هذا الأساس أرشد الإسلام إلى مبدأي الاجتهاد والتقليد للتعرّف على الموقف الشرعي . فالاجتهاد : هو التخصّص في علوم الشريعة . والتقليد : هو الاعتماد على المتخصّصين . والسبب في تسمية عملية رجوع غير المتخصّص إلى المتخصّص في هذا المجال « تقليداً » ، هو أن المكلّف يضع عمله كالقلادة في رقبة المجتهد الذي يقلّده ؛